اليوم وكيل داخل الكمبيوتر… وغدًا روبوت داخل البيت: المرحلة الثانية من ثورة الذكاء الاصطناعي
قبل سنوات قليلة، كانت الصورة التي يملكها معظم الناس عن الذكاء الاصطناعي بسيطة: تدخل إلى نافذة محادثة، تسأل سؤالًا، وتحصل على إجابة. بعد ذلك تعلمنا استخدامه في كتابة النصوص، وإنشاء الصور، وتحليل الملفات، والبرمجة والبحث. لكن ما يحدث الآن مختلف جذريًا؛ فالذكاء الاصطناعي بدأ ينتقل من مرحلة الإجابة إلى مرحلة تنفيذ العمل.
تخيل أن لديك وكيلًا ذكيًا يعمل داخل شركتك طوال اليوم. لا تنتظر منه أن تسأله في كل مرة. يراقب ما يحدث، يقرأ البيانات، يعرف المهام التي يجب تنفيذها، يتواصل مع الأنظمة الأخرى، ويقوم بسلسلة من الإجراءات وفق الصلاحيات التي أعطيتها له. قد يتابع العملاء، وينظم المواعيد، ويحلل الحملات، ويجهز التقارير، ويكتشف مشكلة في عملية معينة ثم يبلغ الشخص المسؤول أو يتصرف وفق قواعد محددة مسبقًا.
هذا ما نسميه اليوم أتمتة الذكاء الاصطناعي القائمة على الوكلاء. لكن هذه ليست نهاية القصة.
لأن الخطوة التالية بدأت بالفعل.
الوكيل الذي يستطيع اليوم الدخول إلى نظام رقمي، قراءة البيانات واتخاذ قرار، بدأ يحصل على شيء جديد: جسد يستطيع من خلاله تنفيذ القرار في العالم الحقيقي.
وهنا ننتقل من الوكيل الذكي إلى الروبوت، ومن أتمتة البرامج إلى أتمتة العالم الفيزيائي، ومن ذكاء اصطناعي يعيش داخل الشاشة إلى ذكاء يستطيع أن يرى ويتحرك ويمسك الأشياء ويتعامل مع بيئة صممت أصلًا للبشر.
هذه هي المرحلة الثانية من الثورة.
الفرق بين ما حدث في السنوات الماضية وما يبدأ الآن
معظم الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي التوليدي كانت تدور حول إنشاء المعلومات. النموذج يكتب، يلخص، يترجم، يولد صورة أو يساعد المبرمج في كتابة الشفرة. وعلى الرغم من حجم التحول الذي صنعته هذه القدرات، ظل الذكاء الاصطناعي في معظم الحالات ينتظر الإنسان حتى يعطيه أمرًا.
أما وكلاء الذكاء الاصطناعي فيحاولون تغيير العلاقة نفسها. الوكيل يحصل على هدف بدل سؤال واحد، ثم يخطط للخطوات اللازمة للوصول إليه ويستخدم الأدوات المتاحة له وينفذ ويعود إلى النتائج ويقرر ما الخطوة التالية.
وهذا يغير معنى الأتمتة. الأتمتة التقليدية تقوم على قاعدة ثابتة: إذا حدث الشيء الأول، نفذ الشيء الثاني. أما الوكيل الذكي فيستطيع التعامل مع قدر أكبر من الاختلاف وعدم اليقين، وفهم السياق، والاستعانة بالمعلومات ثم اتخاذ سلسلة من الإجراءات للوصول إلى النتيجة.
وهنا يمكن أن يصبح لديك وكيل للمبيعات، وآخر لخدمة العملاء، وآخر للبيانات، وآخر يتابع العمليات أو الحملات. والمرحلة التالية الطبيعية هي أن تمتد القدرات نفسها خارج البرامج.
وهذا هو ما تسميه إنفيديا اليوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي: أنظمة لا تكتفي بفهم النصوص والصور، بل تفهم قوانين ومساحات العالم الحقيقي وتتحول المعرفة لديها إلى حركة وفعل. إنفيديا تبني لهذا المجال منصة «إسحاق غروت» ونماذج مخصصة للروبوتات البشرية، بالتعاون مع منظومة واسعة من شركات الروبوتات والصناعة.
بعبارة أخرى:
الوكيل داخل الكمبيوتر والروبوت داخل المصنع أو المنزل ليسا ثورتين منفصلتين. إنهما مرحلتان من الفكرة نفسها.
إنفيديا لا تريد فقط مركز بيانات أكبر… بل حاسوبًا للذكاء الاصطناعي داخل منزلك
أحد أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام جاء من إنفيديا نفسها.
خلال مؤتمرها في تايبيه عام ٢٠٢٦، تحدث جنسن هوانغ عن إعادة تصور الحاسب الشخصي في عصر الوكلاء. الفكرة أن الحاسب المستقبلي لا يكون مجرد جهاز تفتح عليه البرامج، بل جهازًا تعمل عليه وكلاء شخصية بصورة مستمرة، محليًا أو متصلة بالنماذج السحابية، وتنجز المهام طوال الوقت.
وقال هوانغ أثناء العرض، في اقتباس يمكن ترجمته باختصار إلى:
«يمكنني أن أتخيل يومًا يصبح فيه حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي داخل المنزل، يشغّل كل وكلائك ومساعديك.»
وهذا لم يعد مجرد تصور بعيد. إنفيديا تبيع بالفعل حاسبًا مكتبيًا فائقًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي يسمى «دي جي إكس سبارك»، تصفه الشركة نفسها بأنه حاسوب مكتبي للوكلاء، ومصمم لتشغيل وكلاء مستقلين محليًا وبصورة مستمرة.
وفي يونيو ٢٠٢٦، أعلنت إنفيديا ومايكروسوفت جيلًا جديدًا من الحواسيب الشخصية يعتمد على شريحة «آر تي إكس سبارك». ووصف جنسن هوانغ التحول بقوله، بمعنى مختصر:
«لأربعين عامًا كنت تفتح التطبيقات وتضغط وتكتب. الآن تسأل… والحاسب ينفذ العمل.»
الفكرة هنا أكبر من مجرد حاسب أسرع. إنفيديا تراهن على أن الحاسب الشخصي نفسه سيتحول من أداة إلى زميل يعمل بجانبك.
وهذا مهم للأعمال، لأن الوكيل عندما يستطيع العمل محليًا طوال الوقت يستطيع أن يصبح طبقة تشغيل دائمة فوق البريد والملفات والأنظمة والبيانات، بدل أن يظل تطبيقًا تفتحه عندما تحتاجه.

إنفيديا تتصور جيلًا من الحواسيب الشخصية يعمل عليه وكلاء ومساعدون بصورة مستمرة، بحيث يتحول الحاسب من أداة تستخدمها إلى نظام ينفذ العمل بجانبك.
لكن ماذا لو خرج هذا الوكيل من الكمبيوتر؟
إذا أعطيت وكيلًا ذكيًا القدرة على فهم هدف، وتحليل المعلومات، والتخطيط وتنفيذ سلسلة من الإجراءات داخل الأنظمة الرقمية، فما الذي ينقصه حتى يستطيع العمل في العالم الحقيقي؟
يحتاج إلى أن يرى.
وأن يفهم المسافات والأشياء.
وأن يعرف أين هو.
وأن يتحكم في يدين ورجلين أو عجلات.
وأن يعرف أن الكوب قابل للكسر، وأن الإنسان أمامه يجب ألا يصطدم به، وأن بابًا مغلقًا يحتاج إلى فتحه قبل المرور.
وهذا تحديدًا هو المجال الذي تتحرك إليه شركات الذكاء الاصطناعي والروبوتات الآن.
جوجل ديب مايند أعلنت في يوليو ٢٠٢٦ عن الجيل الثاني من نماذجها المخصصة للروبوتات، وهي أنظمة تستطيع التحكم بجسم الروبوت بالكامل من القدمين حتى أطراف الأصابع، والتعامل مع مهام تتطلب مهارة دقيقة، والتخطيط لعدة خطوات وحتى جعل أكثر من روبوت يتعاون في تنفيذ المهمة نفسها.
الأهم أن جوجل تقول إن النظام يستطيع التعامل مع مواقف لم يتدرب عليها حرفيًا من قبل، وأنه يستطيع تحويل فهمه للغة والصورة والمكان إلى قرارات حركية.
هنا نرى انتقالًا مهمًا جدًا.
قبل سنوات كان الروبوت يؤدي حركة تمت برمجتها مسبقًا آلاف المرات.
الآن الهدف هو أن تقول له:
رتب هذه الغرفة.
ثم يفهم بنفسه أن عليه التقاط الملابس، وتحريك بعض الأشياء، وربما التعاون مع روبوت آخر، والتكيف إذا ظهر أمامه شيء لم يكن موجودًا في التدريب الأصلي.
جوجل تصف هدفها بأنه نقل الوكلاء من العالم الرقمي إلى وكلاء فيزيائيين يستطيعون الإدراك والتخطيط والتفكير واستخدام الأدوات والعمل.
تسلا: أوبتيموس يستهدف الوصول إلى الجمهور في ٢٠٢٧
وهنا ندخل إلى المثال الذي قد يجعل الموضوع أقرب إلى الناس: تسلا أوبتيموس.
في يناير ٢٠٢٦ قال إيلون ماسك خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إنه يتوقع أن تبدأ تسلا بيع أوبتيموس للجمهور بحلول نهاية عام ٢٠٢٧، بعد وصوله إلى مستوى مرتفع من الاعتمادية والسلامة وتنوع الوظائف. وقال أيضًا إن بعض الروبوتات كانت بالفعل تنفذ مهام بسيطة داخل مصانع تسلا، مع توقع أن تنتقل إلى مهام أكثر تعقيدًا قبل نهاية ٢٠٢٦.
وفي أغسطس ٢٠٢٦، نقل تقرير عن اجتماع بين تسلا وجيه بي مورغان أن الشركة لا تزال تتحدث عن إمكانية بدء بيع أوبتيموس لجهات خارجية في النصف الثاني من ٢٠٢٧.
لكن هنا يجب ألا نحول التوقع إلى حقيقة مؤكدة.
تسلا وإيلون ماسك لديهما تاريخ من الجداول الزمنية الطموحة التي تتأخر، وفي يوليو ٢٠٢٦ حذفت الشركة من خطاب المساهمين الإشارة السابقة إلى الوصول إلى «الإنتاج الكمي» لأوبتيموس، مع استمرار تحديات التصنيع والتطوير. ولذلك الأدق أن نقول:
٢٠٢٧ هو هدف تسلا المعلن للوصول إلى المشترين، وليس موعدًا مضمونًا حتى الآن.
ومع ذلك، أهمية الخبر ليست في الشهر الذي سيبدأ فيه البيع تحديدًا. الأهم أن واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا الصناعية في العالم لم تعد تنظر إلى الروبوت البشري كمشروع تجريبي داخل المختبر، بل كمنتج تتوقع بيعه خارج مصانعها.
وهذا وحده يغير طريقة التفكير في السنوات القادمة.
لكن روبوتًا منزليًا آخر يمكن طلبه بالفعل اليوم
إذا اعتبرنا أوبتيموس وعدًا مستقبليًا، فهناك مثال أكثر مباشرة.
شركة «ون إكس» فتحت بالفعل الطلب على روبوتها المنزلي «نيو». الشركة تعرض خيار شراء مبكر بسعر ٢٠ ألف دولار، أو نموذج اشتراك بقيمة ٤٩٩ دولارًا شهريًا. وتقول إن عمليات التسليم الأولى للمنازل في الولايات المتحدة تبدأ خلال ٢٠٢٦، ثم تتوسع إلى أسواق أخرى بداية من ٢٠٢٧.
«نيو» مصمم أصلًا للمنزل، وليس للمصنع.
الشركة تعرض سيناريوهات مثل فتح الباب والتعامل مع الغسيل والقيام بمهام منزلية متكررة. لكنها أيضًا تقدم لنا مثالًا مهمًا على المسافة التي ما زالت التقنية تحتاج إلى قطعها: الروبوت يصل بقدرات ذاتية أساسية، وبعض المهام الأكثر تعقيدًا يمكن أن يساعد في تعلمها مشغل بشري عن بعد في أوقات مجدولة.
وهذا تفصيل مهم جدًا لأنه يمنعنا من الوقوع في مبالغة «الروبوت الكامل وصل».
وصل منتج استهلاكي حقيقي.
لكن رحلة الوصول إلى مساعد منزلي مستقل بالكامل ما زالت مستمرة.
ومع ذلك، نحن لم نعد نتحدث عن فيديو تجريبي فقط. يمكن للمستهلك اليوم دفع مبلغ حجز فعلي لروبوت بشري مخصص للمنزل.
من غسل الصحون وطي الملابس إلى خطوط إنتاج بي إم دبليو
شركة «فيغر» تقدم مثالًا آخر يكشف لماذا يجب التعامل مع الموضوع بجدية.
في عام ٢٠٢٥ نشرت الشركة عروضًا لروبوتاتها وهي تحمل أطباقًا إلى غسالة الصحون، وتتعلم طي الملابس، ثم في ٢٠٢٦ نشرت اختبارات لترتيب غرفة معيشة وغرفة نوم. بمعنى أن الشركات لا تبني الأجسام البشرية فقط للمصانع، بل تختبر بالفعل مهارات من النوع الذي سيحتاجه روبوت منزلي مستقبلي.
لكن الأمر الأكثر إثارة هو أن الروبوت نفسه لم يبق في المختبر.
روبوت «فيغر ٠٢» عمل في مصنع بي إم دبليو في سبارتنبرغ خلال ٢٠٢٥. ووفق بيانات «فيغر» وبي إم دبليو، ساهم خلال فترة التشغيل في إنتاج أكثر من ٣٠ ألف سيارة، وتعامل مع أكثر من ٩٠ ألف قطعة، وسجل أكثر من ١٢٥٠ ساعة تشغيل.
وفي يونيو ٢٠٢٦ عاد الجيل الجديد «فيغر ٠٣» إلى المصنع لمهام لوجستية أكثر تعقيدًا، تشمل الحركة بالجسم كاملًا وسحب عربات والتعامل مع الأجزاء أثناء الحركة.
وفي الوقت نفسه، بدأت الشركة زيادة إنتاج الجيل الثالث بسرعة؛ ففي أبريل ٢٠٢٦ أعلنت أنها تجاوزت تصنيع ٣٥٠ روبوتًا، وأن معدل الإنتاج ارتفع من روبوت واحد يوميًا إلى روبوت واحد كل ساعة.
هذه نقطة محورية في القصة.
الانتقال الحقيقي لا يحدث عندما يستطيع الروبوت أداء المهمة مرة واحدة أمام الكاميرا، بل عندما تستطيع الشركة تصنيع مئات منه وتشغيلها آلاف الساعات في بيئات عمل حقيقية.

الروبوتات البشرية بدأت بالفعل في المصانع والمستودعات، بينما تظهر في الوقت نفسه أولى المحاولات التجارية لإدخالها إلى المنازل.
الروبوت البشري دخل المستودعات فعلًا
شركة «أجيليتي روبوتكس» تقدم مثالًا أكثر تجارية.
روبوتها «ديجيت» يعمل بدوام فعلي داخل منشأة تابعة لشركة الخدمات اللوجستية «جي إكس أو»، حيث يستقبل الحاويات من روبوتات متنقلة أخرى ويضعها على خطوط النقل. الشركة أعلنت لاحقًا أن «ديجيت» تجاوز نقل ١٠٠ ألف حاوية في التشغيل التجاري.
والقصة لم تعد تجربة واحدة؛ ففي فبراير ٢٠٢٦ وقعت «تويوتا موتور للتصنيع في كندا» اتفاقًا تجاريًا لنشر «ديجيت» بعد تجربة ناجحة، بهدف استخدامه في التصنيع وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
الأهم أن النموذج التجاري هنا هو الروبوت كخدمة.
الشركة لا تحتاج بالضرورة إلى شراء روبوت مثل شراء آلة تقليدية؛ يمكن أن يصبح الروبوت خدمة تشغيلية لها تكلفة شهرية أو سنوية، كما أصبحت البرمجيات السحابية قبلها خدمة اشتراك.
وهذا قد يكون واحدًا من التحولات الكبرى القادمة في اقتصاد الأتمتة.
بي إم دبليو توسع التجربة من أمريكا إلى ألمانيا
بعد تجربة «فيغر» في مصنعها الأمريكي، بدأت بي إم دبليو في ٢٠٢٦ تجربة روبوت بشري آخر باسم «إيون» في مصنع لايبزيغ بألمانيا لاستخدامه في تجميع البطاريات والمكونات.
والشركة نفسها وصفت تجربة «فيغر ٠٢» السابقة بأنها أثبتت أن الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يستطيع تقديم قيمة قابلة للقياس في ظروف الإنتاج الحقيقية.
وهذا يخبرنا بشيء مهم.
الشركات الصناعية الكبرى لا تختبر الروبوتات لأنها تبدو مثيرة في العروض.
هي تبحث عن إجابة لسؤال مالي مباشر:
هل يستطيع هذا الروبوت تنفيذ مهمة حقيقية بأمان وبكفاءة وبعائد اقتصادي يمكن قياسه؟
عندما تصبح الإجابة نعم في عدد متزايد من المهام، تبدأ المسألة بالانتقال من «هل سنستخدم الروبوتات؟» إلى «أين نبدأ باستخدامها؟».
لماذا كل هذه الروبوتات تظهر الآن في الوقت نفسه؟
السبب ليس أن أحدًا اخترع المحرك الكهربائي أو الذراع الروبوتية فجأة.
الروبوتات موجودة في المصانع منذ عقود.
لكن الروبوت التقليدي ممتاز عندما تكون البيئة ثابتة والمهمة ثابتة. يعرف المكان الذي يأخذ منه القطعة والمكان الذي يضعها فيه، ويكرر الحركة ملايين المرات.
المشكلة تبدأ عندما نطلب منه العمل في عالم البشر.
منزل تتغير فيه الأشياء كل يوم.
مستودع يتحرك فيه الموظفون.
قطعة وضعت في مكان مختلف.
تعليمات لم يسمعها من قبل.
باب مغلق.
شيء وقع على الأرض.
هنا تحتاج الآلة إلى قدرات كانت صعبة جدًا سابقًا: الرؤية والفهم المكاني واللغة والتخطيط والتكيف.
والقفزة الحديثة في نماذج الذكاء الاصطناعي بدأت تجمع هذه القدرات في طبقة واحدة.
ولهذا أعلنت إنفيديا في مايو ٢٠٢٦ تصميمًا مفتوحًا لروبوت بشري يجمع حاسوب «جيتسون ثور» داخل الروبوت مع نماذج «إسحاق غروت» واليدين والأجهزة اللازمة للاستدلال والتحكم.
وجوجل وصلت في الجيل الثاني من نماذج الروبوتات إلى التحكم بجسم بشري كامل من القدم إلى الأصابع، مع القدرة على ربط التفكير والتخطيط بالحركة.
الذكاء الذي تطور داخل الشاشة بدأ يحصل على جسم.
وهذه ربما أبسط طريقة لفهم ما يحدث.
ماذا يعني ذلك لأتمتة الأعمال؟
هنا يصبح الموضوع مهمًا لمدير شركة وليس فقط لمحبي الروبوتات.
لأن المسار الذي نراه اليوم يبدأ بأتمتة العمليات الرقمية.
العميل يرسل رسالة، فيفهمها وكيل ذكي. يفتح بيانات العميل، يسجل الاستفسار، يحدد الخدمة، يجهز الرد، يحجز موعدًا أو يوجه الطلب إلى الشخص المناسب. إذا كانت هناك عملية تحتاج موافقة بشرية، يتوقف عندها.
هذه هي أتمتة الذكاء الاصطناعي التي تستطيع الشركات البدء بها اليوم.
لكن عندما تصبح الروبوتات أكثر قدرة وأقل تكلفة، يمكن أن تمتد العملية نفسها إلى العالم الحقيقي.
تخيل متجرًا يبدأ فيه الوكيل باستقبال طلب العميل رقميًا، ثم يرسل أمرًا إلى النظام، ثم يقوم روبوت داخل المستودع بالتقاط المنتج وتحضيره.
أو فندقًا يستقبل فيه الوكيل طلب النزيل ثم يتحرك روبوت لتنفيذ جزء من الخدمة.
أو مصنعًا يكتشف فيه النظام أن محطة إنتاج تحتاج مكونات، فينشئ المهمة ثم ينفذ الروبوت الحركة دون أن ينتظر أن يكتب الموظف تعليمات تفصيلية لكل خطوة.
هذا هو السبب الذي يجعل المقالة ليست عن «الروبوت».
هي عن امتداد الأتمتة من الشاشة إلى العالم الحقيقي.
الشركة التي لا تستطيع أتمتة عملية على الكمبيوتر لن ينقذها الروبوت
وهنا توجد نقطة أراها مهمة جدًا للشركات التي تنظر إلى المستقبل.
قبل التفكير في شراء روبوت يجب أن تكون العمليات نفسها قابلة للفهم والتنظيم.
إذا كان العميل يدخل من خمسة أماكن ولا يوجد نظام موحد له، وإذا كانت الطلبات تعتمد على رسائل الموظفين الشخصية، وإذا كانت البيانات موزعة ولا توجد صلاحيات واضحة، وإذا كانت العمليات الموجودة داخل الشركة لا يستطيع شخص جديد فهمها إلا بعد سؤال ثلاثة موظفين، فإن إضافة الذكاء الاصطناعي لن تصلح الفوضى تلقائيًا.
قد تجعلها أسرع فقط.
ولهذا يبدأ الاستعداد للمرحلة الثانية اليوم، قبل أن يدخل أي روبوت إلى المكتب.
ربط الأنظمة.
تنظيف البيانات.
إدارة الصلاحيات.
بناء قاعدة معرفة.
تحديد خطوات الإجراءات.
معرفة ما يستطيع الوكيل تنفيذه وحده، وما يحتاج إلى موافقة بشرية.
وربط كل ذلك بأنظمة العملاء والمبيعات وخدمة العملاء والتقارير.
هذه هي البنية التي سيعمل فوقها الوكيل الرقمي اليوم، وقد يعمل فوقها الروبوت غدًا.
هل يعني هذا أن الوظائف ستختفي؟
من السهل تحويل النقاش إلى سؤال: هل سيأخذ الروبوت وظيفتي؟.
لكن الصورة الحالية أكثر تعقيدًا.
الروبوتات التجارية التي تعمل اليوم تبدأ غالبًا من الأعمال المتكررة أو البدنية أو المرهقة: نقل الحاويات، التعامل مع الأجزاء، الحركة داخل خطوط الإنتاج، والمهام التي يصعب أتمتتها بالروبوت التقليدي بسبب أن البيئة صممت للإنسان.
إنفيديا تصف الروبوتات البشرية بأنها مناسبة بشكل خاص للمساحات البشرية القائمة بالفعل لأنها تستطيع التكيف مع المصانع والمنشآت التي بنيت للأشخاص بدل إعادة تصميم المنشأة حول الآلة.
لكن هذا لا يعني أن الروبوت الذي رأيناه في فيديو قادر غدًا على أداء وظيفة بشرية كاملة.
تحقيق لرويترز نشر في أغسطس ٢٠٢٦ عن صناعة الروبوتات البشرية في الصين أظهر الفجوة بوضوح: الأجهزة تتقدم بسرعة، لكن كثيرًا من الروبوتات ما زالت تعاني في المهارة اليدوية والاستقلالية والقدرة على التعامل مع ظروف المصنع المتغيرة مقارنة بالعروض المصممة مسبقًا.
وهذا مهم حتى لا نبني التوقعات على الاستعراضات فقط.
٢٠٢٧ لن يكون العام الذي يستيقظ فيه الجميع ويجد روبوتًا في منزله
تسلا تستهدف البيع للجمهور.
ون إكس بدأت بالفعل الحجوزات والتسليمات المبكرة.
فيغر تختبر مهام منزلية.
جوجل وإنفيديا تبنيان «العقل والمنصة التي ستعمل فوقها أجيال كاملة من الروبوتات.
لكن هذا لا يعني أن نهاية ٢٠٢٧ ستشهد روبوتًا في كل منزل.
ستظل هناك تحديات في التكلفة والاعتمادية والبطاريات والسلامة والمهارة اليدوية والخصوصية والقوانين، إضافة إلى سؤال بسيط لكنه حاسم: ما المهام التي يستطيع الروبوت تنفيذها بصورة أفضل اقتصاديًا من الإنسان أو من آلة متخصصة أبسط؟
حتى تسلا تربط البيع العام لأوبتيموس بوصول الروبوت إلى مستويات مرتفعة جدًا من السلامة والاعتمادية والوظائف.
لذلك أرى أن التحول سيكون تدريجيًا.
سيبدأ حيث تكون قيمة الأتمتة واضحة: المصانع والمستودعات وبعض البيئات التجارية.
ثم الخدمات.
ثم المنازل المبكرة مرتفعة التكلفة.
ثم، إذا نجحت الشركات في خفض التكلفة ورفع الاعتمادية، تبدأ مرحلة السوق الواسع.
وهو تقريبًا المسار الذي مرت به تقنيات كثيرة قبلها.
الشيء الذي سيتغير فعلًا هو تعريف العامل
قبل عشرين عامًا، إذا قلت إن للشركة «عاملًا» أو «موظفًا»، فأنت تتحدث عن إنسان.
بعد البرمجيات السحابية أصبح لدى الشركة أنظمة تعمل طوال اليوم، لكنها ظلت أدوات.
الآن يظهر نوع ثالث.
وكيل يستطيع العمل.
والمرحلة التالية روبوت يستطيع العمل.
وهنا قد يصبح الهيكل التشغيلي للشركة مزيجًا من البشر، والبرامج، والوكلاء الأذكياء، ثم الآلات التي تحمل الذكاء نفسه إلى العالم الفيزيائي.
قد لا يكون السؤال مستقبلًا:
كم موظفًا لديك؟
بل:
كم قدرة تشغيلية تستطيع شركتك إنتاجها، وبأي مزيج من البشر والوكلاء والأنظمة والروبوتات؟
هذه نقلة ضخمة في نموذج الأعمال نفسه.
الأهم: البشر لن يديروا كل وكيل وكل روبوت يدويًا
لو كان لديك روبوت يحتاج إلى موظف يراقب كل حركة ينفذها، فأنت لم تحقق أتمتة كاملة.
ولهذا السباق الحقيقي ليس على بناء جسم يشبه الإنسان فقط.
السباق هو على الاستقلالية.
أن يرى الروبوت المشكلة.
يفهمها.
يخطط.
ينفذ.
يتأكد من النتيجة.
ويعرف متى يجب أن يطلب مساعدة.
وهذا بالضبط يجعل التطورات في الوكلاء الرقميين والروبوتات مترابطة.
فالمنطق الذي يبني وكيلًا يستطيع تنفيذ خمس خطوات داخل أنظمة الشركة هو قريب في جوهره من المنطق الذي يحتاجه الروبوت كي ينفذ خمس خطوات في غرفة أو مصنع، مع فارق أن العالم الفيزيائي أصعب بكثير ولا يسمح بزر «تراجع» عندما يحدث الخطأ.
لهذا أصبحت السلامة والحوكمة والصلاحيات والمراقبة جزءًا أساسيًا من النقاش.
من الطيار الآلي الرقمي إلى الطيار الآلي للأعمال
في السنوات القليلة الماضية استخدمنا تعبير «الطيار الآلي» لوصف حملة إعلانية أو رسالة آلية أو إجراء بسيط.
لكن ما يتشكل الآن أكبر.
يمكن للشركة بناء طبقة من الوكلاء تعمل فوق أنظمتها، تراقب وتشغل أجزاء من العمل بصورة مستمرة.
وعندما نربط هذا الاتجاه بالذكاء الاصطناعي الفيزيائي، تصبح لدينا رؤية أكثر اتساعًا:
العملية تبدأ رقميًا، والقرار يتشكل رقميًا، والتنفيذ قد ينتهي في العالم الحقيقي.
هذا هو السبب الذي يجعل الاستثمار في أتمتة الذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد طريقة لتقليل بعض ساعات العمل.
إنه تدريب للمؤسسة نفسها على نموذج تشغيل مختلف.
الشركة التي تتعلم اليوم كيف تعطي الوكيل صلاحيات محسوبة، وكيف تبني له قاعدة معرفة، وكيف تربطه بالأنظمة، وكيف تضع نقاط موافقة بشرية، ستكون أقرب كثيرًا للاستفادة من الطبقة التالية عندما يصبح التنفيذ الفيزيائي اقتصاديًا ومتاحًا.
لا تنتظر الروبوت حتى تبدأ
ربما يحتاج روبوت منزلي متكامل سنوات قبل أن يصبح طبيعيًا مثل الهاتف أو الحاسب.
لكن هذا ليس سببًا للانتظار.
لأن المرحلة الأولى موجودة الآن.
يمكن بناء وكيل يقرأ استفسارات العملاء ويصنفها.
ويمكن ربط الذكاء الاصطناعي بأنظمة المبيعات وخدمة العملاء.
ويمكن أتمتة التقارير والمتابعات والإجراءات المتكررة.
ويمكن جعل الوكيل يعمل داخل حدود واضحة ويتوقف عند القرارات التي تحتاج الإنسان.
كل عملية تنظمها اليوم تجعل المؤسسة أكثر استعدادًا لما يأتي لاحقًا.
ولهذا لا أرى أن السؤال المهم للشركات هو:
متى سأشتري روبوتًا؟
السؤال الأفضل:
كم جزءًا من شركتي يمكن أن يعمل بالفعل بطريقة ذكية ومستقلة اليوم؟
لأن المسافة بين الوكيل الذي يعمل داخل الكمبيوتر والروبوت الذي يعمل بجانبك ليست كبيرة من ناحية الفكرة كما تبدو.
لقد بدأنا بإعطاء الذكاء الاصطناعي لغة.
ثم أعطيناه أدوات.
ثم أعطيناه قدرة على التخطيط والتنفيذ.
والآن بدأت الصناعة تعطيه جسدًا.
اليوم وكيل داخل الكمبيوتر… وغدًا روبوت داخل البيت.
والمرحلة الثانية من ثورة الذكاء الاصطناعي بدأت قبل أن ينتبه كثيرون إليها.
الأسئلة الشائعة
ما هو وكيل الذكاء الاصطناعي؟
هو نظام ذكي لا يكتفي بإعطاء إجابة، بل يستطيع فهم هدف معين، وتخطيط مجموعة من الخطوات، واستخدام أدوات أو أنظمة مختلفة وتنفيذ إجراءات للوصول إلى النتيجة، ضمن الصلاحيات والقيود التي تحددها المؤسسة.
ما الفرق بين أتمتة الذكاء الاصطناعي والروبوتات؟
أتمتة الذكاء الاصطناعي تعمل غالبًا داخل البيئة الرقمية، مثل خدمة العملاء والمبيعات والبيانات والأنظمة. أما الذكاء الاصطناعي الفيزيائي فيضيف القدرة على الإدراك والحركة والتنفيذ داخل العالم الحقيقي من خلال الروبوتات والآلات.
هل ستبيع تسلا أوبتيموس في ٢٠٢٧؟
إيلون ماسك قال في يناير ٢٠٢٦ إن تسلا تستهدف بيع أوبتيموس للجمهور بحلول نهاية ٢٠٢٧ إذا وصل إلى مستويات مرتفعة من الاعتمادية والسلامة والقدرات. لذلك هو هدف معلن وليس موعدًا مضمونًا.
هل توجد روبوتات منزلية يمكن شراؤها الآن؟
نعم. شركة «ون إكس» فتحت الطلب على روبوت «نيو» المنزلي، وتقول إن التسليم في الولايات المتحدة يبدأ في ٢٠٢٦ ثم يتوسع إلى أسواق أخرى من ٢٠٢٧، مع خيار شراء مبكر أو اشتراك شهري.
هل الروبوتات البشرية تعمل بالفعل في المصانع؟
نعم. «فيغر ٠٢» عمل في مصنع بي إم دبليو وساهم في إنتاج أكثر من ٣٠ ألف سيارة، بينما يعمل «ديجيت» من «أجيليتي روبوتكس» تجاريًا في الخدمات اللوجستية وتجاوز نقل ١٠٠ ألف حاوية في أحد المواقع.
ما علاقة إنفيديا بالروبوتات؟
إنفيديا تبني البنية الحاسوبية والنماذج والأدوات المستخدمة لتدريب وتشغيل الروبوتات، ومنها منصة «إسحاق غروت» وحواسيب «جيتسون ثور». كما تعمل مع عشرات الشركات الصناعية وشركات الروبوتات لتطوير الذكاء الاصطناعي الفيزيائي.
هل تحتاج الشركات إلى الانتظار حتى تصبح الروبوتات متاحة؟
لا. يمكن البدء الآن بأتمتة العمليات الرقمية وبناء وكلاء ذكاء اصطناعي وربط الأنظمة والبيانات. هذه البنية نفسها تجعل الانتقال مستقبلًا إلى مستويات أعلى من الأتمتة أكثر سهولة.
مقالات مرتبطة بأتمتة الذكاء الاصطناعي
اكتشف المزيد من المقالات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأتمتة والتسويق الذكي وتحليل السلوك الرقمي.